متى تتفكك “مستعمرة الرجل؟!

راديو أورينتآخر تحديث : الأربعاء 19 أبريل 2017 - 6:11 مساءً
متى تتفكك “مستعمرة الرجل؟!
متى تتفكك “مستعمرة الرجل؟!

راديو اورينت- محمود الفطافطة – عندما وصف المفكر والفيلسوف المغربي عبد الإله بلقزيز المرأة بأنها “آخرُ مستعمرات الرجل” كان مُحقاً في هذا التوصيف؛ ذلك أن الرجل، عموماً، نراه، قديماً وراهناً، يُقاتل على الجبهات كافة، كي لا يسلَم بخروج هذه “المستعمرة” من أملاكه، كي يمنع تحررها، واستقلالها.

  من هنا، نرى أن قصة المرأة العربية في المجتمع الذكوري تزدحم بوقائع المعاناة؛ فهي فقدت، في هذا المجتمع، حقوقها الطبيعية والمدنية المكتسبة، ونُوزعت فيها بقوة الأمر الواقع القهري، والمحمي بالقوانين والأعراف والقيم الجمعية المكرسة في ذلك المجتمع، والمترسخة بفعل الزمن.

  إن محنة المرأة لم تكن فقط مع دولة تهمش حقوقها، وتفرض عليها التمييز في المعاملة، وإنما كانت مع مجتمع ذكوري ينازعها الحق في المساواة والمواطنة الكاملة؛ باسم الدين ، أو باسم القانون، أو باسم العرف، أو باسمها جميعاً.

  هذا التهميش أو المصادرة لحق المرأة لم يتعلق بالتيارات المحافظة في هذا المجتمع أو ذاك، حصراً، بل حتى بتلك التي مستها رياح الحداثة بدرجاتٍ متفاوتة؛ فهذه نفسها تبلع حداثتها في الغالب ما إن يتعلق الأمر بحقوق المرأة، وكثيراً ما تكون هذه الحقوق عندها محض شعار سياسي ترفعه في وجه خصومها المحافظين، وتنساه عندما تصل إلى السلطة!.

  ومن وجوه انتهاك حقوق المرأة وآدميتها العنف الذي يُمارس، في المجتمع، ضد النساء: في الأسرة، وفي أماكن العمل. وهو عنف مزدوج: جسدي ونفسي أو معنوي. العنف هذا ثمرة ثقافة ذكورية لا ترى المرأة بوصفها كياناً انسانياً مستقلاً ذا حُرمة، بل بما هو موضوع تسخير خاضع لسلطان الرجل المادي والمعنوي.

  وإذا كان هذا العنف سمة عامة في المجتمعات، حتى المجتمعات المتقدمة، لأنها تعاني سيادة العلاقات والقيم الذكورية ، فهو أظهر في مجتمعاتنا العربية حيث القيم الذكورية تلك متغلغلة في البنية الاجتماعية والسياسية والثقافية.

  ورغم ما حملته التحولات المجتمعية العميقة التي شهدتها المجتمعات العربية بنسب متفاوتة في العقود القليلة الأخيرة ــ كزيادة في مستوى التعليم بين النساء، ومن تغيير في معدل انخراط المرأة في سوق العمل، ومن ارتفاع معدل التمدن ــ إلا أن تلك التحولات لم تكن كفيلة بإضعاف الثقافة الذكورية المهيمنة في تلك المجتمعات، وبوضع حد لممارسات العنف الجسدي والنفسي والمعنوي ضد المرأة، سواء في المنازل أم في مراكز العمل. فضلاً عن تحويل المرأة إلى متاع يشترى ويُباع، وهذا بحد ذاته عنفاً معنوياً؛ يصوب سمومه لقيم المرأة ومكانتها.

  وفي مواجهة هذا العنف المتمظهرة تجلياته في صورٍ وأشكال حياتية نراها يومياً في مؤسساتنا، وبيوتنا، وشوارعنا. صورٌ تتنافى مع القانون البشري والإلهي اللذين منحا المرأة حقوقاً لا يُمكن أن تسقط، لا بتقادم الأزمنة، أو بتباطؤ المثابرة، أو بالتفاف المساومين.

  وفي ظل هذه البيئة المتشحة بسواد العنف ضد المرأة، فإن المرأة العربية تقاوم بشجاعةٍ نادرة لانتزاع حقوقها، ومواطنتها. وليس نضالاتها الحقوقية والسياسية من أجل سن قوانين المساواة والتكافؤ في الفرص إلا البعض القليل من فصول ذلك النضال الذي تخوضه. المرأة العربية، ومنها الفلسطينية، لا تريد أن تتحرر من قيود مجتمعية لتُسجن في قيود أخرى. هذه العربية تريد أن تعيش انساناً لا كائناً. تتمنى أن تسعد كفرد، لا أن تبقى كهم وعبء.

  طالما بقيت حقوق المرأة مهمشة أو مصادرة أو غير معترف بها أصلاً، فإن مواجهة هذه المرأة لتلك التمييز والعنف المركب ستتواصل؛ لتخترق الكثير من “التابوهات” التي هشمت أو نهشت كرامتها، وحقوقها، بل وآدميتها.

  لا يمكن للمرأة أن تكون سنداً أو سدنا للرجل، وأن تثري مجتمعها بكل فعل ناجع، وتنمية مستدامة، طالما بقي الرجل العربي مُؤمناً، ومُحكَماً لقبضته على آخر مستعمراته. خسارة الرجل هذه المستعمرة يعني انتصار المرأة للرجل وللمجتمع عموماً!!

كلمات دليلية
رابط مختصر
2017-04-19 2017-04-19
راديو أورينت